الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

178

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذا خطاب آخر للمؤمنين تكملة لما تضمنه الخطاب بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ إلى قوله : وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ الصف : 10 ، 11 ] الآية الذي هو المقصود من ذلك الخطاب ، فجاء هذا الخطاب الثاني تذكيرا بأسوة عظيمة من أحوال المخلصين من المؤمنين السابقين وهم أصحاب عيسى عليه السلام مع قلة عددهم وضعفهم . فأمر اللّه المؤمنين بنصر الدين وهو نصر غير النصر الذي بالجهاد لأن ذلك تقدم التحريض عليه في قوله : وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [ الصف : 11 ] الآية ووعدهم عليه بأن ينصرهم اللّه ، فهذا النصر المأمور به هنا نصر دين اللّه الذي آمنوا به بأن يبثّوه ويثبتوا على الأخذ به دون اكتراث بما يلاقونه من أذى من المشركين وأهل الكتاب ، قال تعالى : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ

--> قال السيد : استصعب الشارح هذا العطف والأمر هيّن لأنا نختار أولا أنه معطوف على مجموع جملة وهو حسبي . ونختار ثانيا أنه معطوف على حسبي ، ولا حاجة إلى تضمينه معنى يحسبني فإن الجمل التي لها محل من الإعراب واقعة موقع المفردات فيجوز عطفها على المفردات وعكسه . وأما قوله : ( أي الشارح ) : لكنه في الحقيقة من عطف الإنشاء على الإخبار فجوابه : أن ذلك جائز في الجمل التي لها محل من الإعراب نص عليه العلامة في سورة نوح وكفاك حجة قاطعة على جوازه قوله تعالى : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فإن هذه الواو من الحكاية لا من المحكي ، أي قالوا : حسبنا اللّه . وقالوا : نعم الوكيل اه . قلت : ومراد صاحب « الكشاف » في الموضعين : التفصي من الإقصاء إلى عطف الإنشاء على الخبر . قلت : ظاهر كلام التفتازانيّ في قوله : فيكون من عطف الجملة الفعلية الانشائية على الاسمية الإخبارية وفي قوله : « لكنه في الحقيقة من عطف الإنشاء على الإخبار » أن التفتازانيّ لا يرى ذلك العطف مانعا من جعل جملة وَنِعْمَ الْوَكِيلُ معطوفة على جملة وهو حسبي وبذلك يكون كلامه دالا على جواز ذلك العطف . ويحتمل وهو الأظهر أن قوله : فيكون من عطف الجملة الفعلية الإنشائية إلخ أراد به التنبيه على أن ذلك الإعراب يفضي إلا لازم ممنوع عندهم ولذلك جعل السيد كلام التفتازانيّ استصعابا لذلك العطف وقال : فجوابه : أن ذلك جائز في الجمل التي لها محلّ إلخ . ولم يصرّح السيد برأيه في أصل مسألة عطف الإنشاء على الخبر عدا ما ألحقه بها من القيود . والوجه عندي في عطف الإنشاء على الخبر ما علمت آنفا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً إلى قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ( في سورة الأحزاب ) .